لم تمض بضعة أشهر من إتمام عملاق الطاقة المتكاملة في العالم شركة أرامكو السعودية أول طرح عالمي لبيع سندات دولية انجزتها في 16 أبريل 2019 بقيمة 12 مليار دولار ضخها المستثمرون الدوليون وأصبحت السندات مقبولة للتداول في السوق المالية المنتظمة في لندن، ومدرجة في القائمة الرسمية لدى هيئة الإدراج بالمملكة المتحدة واعتبر أكبر إصدار للسندات الدولية التي طرحتها عملاقة الائتمان والموثوقية، شركة أرامكو السعودية، وبينما حيث كانت الشركة تستهدف جمع 12 مليار دولار، وكانت المفاجئة المدوية ببلوغ حجم الشراء 100 مليار دولار.

اليوم تعاود الشركة نهجها القويم بقوتها المالية وكفاءتها التشغيلية الأقل كلفة في العالم بإتمام ثاني طرح للسندات الدولية بعد نجاحها اللافت وجدارتها المستحقة والموثوقة في سوق الدين العالمي بشهادة كافة المصرفيين الدوليين الذي مكنها من جمع 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) من مشروعها العملاق الطموح للسندات الدولية متوسطة الأجل الذي نجح بطرح 40 ألف سند بقيمة اسمية 200 ألف دولار، إلا أنها نجحت بجلب مبالغ وصلت إلى 50 مليار دولار.

الشركة تعود بمتانتها المالية لسوق الدين العالمي مجددا بكل ثقة واقتدار بطرح سندات دولية شهدت أكبر إقبال من صفوة المستثمرين العالميين بأكثر من 150 مستثمرا حيث طرحت سندات دولية مقوّمة بالدولار الأميركي بطلبات شراء لسندات أرامكو السعودية تتجاوز 50 مليار دولار، في وقت شهد العالم العديد من التحدّيات التي واجهت مختلف الشركات ودول العالم، نتيجة التأثيرات التي فرضتها جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي.

ولم تقتصر إنجازات أرامكو السعودية على إتمام أكبر عملية طرح عام أولي في العالم خلال العام 2019، بل عززت وجودها في أسواق المال العالمية من خلال إصدارها الأول والتاريخي لسندات دولية بقيمة 12 مليار دولار مطلع 2019، وإفصاحها عن معلومات مفصلة عن النتائج المالية والتشغيلية والاحتياطيات لأول مرة في تاريخها.

من جهته، قال لـ”الرياض” د. خالد رمضان الخبير في الشؤون النفطية، رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، “إن الإقبال الكبير على سندات أرامكو الدولية يعكس ثقة المستثمرين الغربيين ونظرتهم الإيجابية للشركة ونتائجها المستقبلية، حيث تجاوزت طلبات الشراء 50 مليار دولار، بالرغم من أن المطروح هو ثماني مليارات دولار فقط”، معتبراً “هذا الأمر تصويتاً غير مسبوق على ثقة السوق بأكبر شركة نفط في العالم.

ونوه د. رمضان “إلى أن الإقبال على شراء السندات يعتمد في العادة على تقديم عوائد مربحة للمستثمرين”، ولكنه قال “إذا دققنا في عوائد سندات أرامكو فسنجد أنها حددت عائد السندات لثلاث سنوات عند 1.25%، أما عوائد السندات خمس سنوات فتصل إلى 1.62%، و2.25% فقط لعشر سنوات، و3.25% خلال 30 سنة، و3.50% للسندات المستحقة خلال 50 سنة”، معبراً هذه النسب ليست كبيرة بمقاييس العوائد التي تقدمها الجهات المصدرة للسندات، والتي تتجاوز في بعض الأحيان 10%، فعلى سبيل المثال، تصدر تركيا سندات دولية لعشر سنوات بفائدة تتجاوز 6%، ونفس الأمر لمصر التي تصدرها بفائدة تتخطى 7%، وهذا يعني أن سندات أرامكو تحظى بتقدير دولي هائل، لدرجة أنها لم تضطر إلى دفع فوائد عالية لإقناع المستثمرين بشراء سنداتها، ومن المؤكد أن المستثمرين لن يقبلوا على الشراء بفوائد متواضعة إلا إذا كانت المخاطر متدنية.

وعزا الخبير في الشؤون النفطية، سبب قيام أرامكو بإصدار سندات دولية في الوقت الراهن إلى تذبذب أسعار النفط بشكل كبير خلال عام 2020، وتأثير ذلك على ضعف الربحية والتدفقات النقدية، خاصة، وأن لدى الشركة التزاما بصرف أرباح سنوية بنحو 75 مليار دولار على حملة الأسهم، بغض النظر عن الإيرادات والأرباح، ولا شك أن ثقة الشركة بمستقبلها الزاهر هو الذي دفعها لتقديم هذا الالتزام الكبير للمستثمرين في أسهمها، لافتاً إلى أن هذا المبلغ (75 مليار دولار) هو أعلى حالياً من ربحية الشركة السنوية وأعلى من تدفقاتها النقدية، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت أرامكو لإصدار سندات خارجية، بالإضافة إلى أنها ملتزمة بسداد مستحقات صندوق الاستثمارات العامة الخاصة بصفقة الاستحواذ على شركة سابك.

وأضاف: وإذا كانت التزامات توزيع أرباح أرامكو في معظمها (98.5 في المئة) من نصيب الحكومة السعودية، بالإضافة إلى إعادة جدولة صفقة شراء سابك بثلاثة أعوام إضافية، فإن هذا يعني تخفيف الضغوط، وأعباء السيولة على عملاق النفط السعودي. وأشار رمضان، إلى أن هناك عدة عوامل ايجابية تدعم تحسن أداء أرامكو خلال الفترة المقبلة منها ارتفاع أسعار النفط فوق 55 دولاراً للبرميل، وبدء توزيع لقاح كورونا في المملكة وغالبية دول العالم، كما أن توزيعات الأرباح عن الربعين الأخيرين سيذهب جزء منها للاستثمار مجددا في السوق.

ولفت رمضان الانتباه إلى أن أرامكو تستخدم جميع الأدوات المتاحة للوفاء بتوزيع الأرباح، كما أن انفتاحها على سوق الدين العالمي يثبت أنها لا تزال ائتماناً قوياً جداً، ووكيلاً مهماً في مواجهة المخاطر الاقتصادية للمملكة، مضيفاً أن أرباح الشركة السعودية العملاقة، برغم التحديات الكبيرة في سوق مضطربة، تعتبر أعلى من أرباح شركات الطاقة الخمس الكبرى مجتمعة، كما أن توزيعاتها النقدية على حملة الأسهم هي الأعلى من بين كافة الشركات المدرجة في العالم.